
بصراحة؟ ما يمر به لبنان اليوم يتخطى بمراحل مصطلح “الأزمة الاقتصادية”. نحن أمام زلزال ديموغرافي صامت، لكنه مدمر. تلك الهجرة الهائلة التي تلت الانهيار لم تترك حجراً على حجر في بنية المجتمع؛ نحن نرى ملامح “لبنان آخر” يتشكل أمام أعيننا، حيث يستنزف الرصيد البشري بسرعة جنونية تهدد، وبشكل جدي، هوية هذا الكيان ومستقبله.
نزيف لا يتوقف: قراءة في أرقام المغادرين (2024-2025)
الأرقام لا تكذب، وهي مرعبة. تشير التقديرات إلى خسارة لبنان لأكثر من 200 ألف مواطن بين عامي 2024 و2025 فقط! هذه ليست مجرد موجة هجرة عابرة، بل هي الأقسى منذ أيام الحرب الأهلية، وتترجم حالة يأس مطلق من أي انفراجة قريبة.
الأمر لا يتعلق بإحصائيات جامدة هنا أو هناك؛ إنه تفريغ ممنهج للطاقات. وبحسب ما ترصده جهات موثوقة مثل الدولية للمعلومات (أبحاث وإحصاءات محلية)، فإن عداد المغادرين يرتفع بلا هوادة. لقد أصبحت “تذكرة بلا عودة” هي الحلم الأول والحل الأخير للأسر الشابة، مما يضعنا جميعاً أمام مأزق وجودي حقيقي.

هجرة العقول: حين يفقد الوطن نخبته
لقد خسر لبنان عموده الفقري. خسرنا الآلاف من الأطباء، المهندسين، والأساتذة الذين كانوا يوماً واجهة الشرق الحضارية. باتت مستشفياتنا وجامعاتنا هياكل تفتقد الروح والخبرة.
هذا الاستنزاف ليس مجرد تراجع في الخدمة؛ إنه ضربة قاضية لقدرتنا على النهوض مجدداً. الفراغ مخيف، وكما تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – تقارير لبنان، فإن الفجوة التي يتركها هؤلاء المحترفون لا تُرقع بسهولة. المؤسسات تتآكل، ومن بقي من كفاءات؟ همّه الوحيد الآن هو ترتيب حقائب السفر.

مجتمع يشيخ بسرعة: أين الأطفال؟
نحن نتجه نحو “الشيخوخة” بوتيرة مرعبة. معدلات الولادة انهارت بشكل دراماتيكي؛ ببساطة، الأزواج الجدد لا يملكون ترف الإنجاب، ناهيك عن أن الفئة القادرة أصلاً على الإنجاب (بين 20 و40 سنة) قد حزمت أمتعتها ورحلت.
هذا الخلل يضعنا في سيناريو يشبه أوروبا العجوز، لكن الكارثة أننا بلا شبكة أمان اجتماعي تحمي كبارنا. نظرة سريعة على إحصائيات سكان لبنان الحية – Worldometer تكشف المستور: ركود، بل انكماش في النمو الطبيعي، يقابله ارتفاع في متوسط الأعمار.

خارطة الفراغ: بين القرى المهجورة والمدن المكتظة
المشهد ليس واحداً في كل مكان. القرى والأطراف؟ شبه خالية من عنصر الشباب. أما المدن الكبرى؟ فتغص باكتظاظ سكاني ذي طابع مختلف، فرضته ظروف النزوح واللجوء.
وهنا لا يمكن إغفال دور حركة اللاجئين في قلب الموازين. وفقاً لبيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين – لبنان، فإن ديناميكية اللجوء – سواء بالبقاء أو العودة المتقطعة – تعيد رسم ديموغرافية المناطق بشكل جذري، مما يخلق تفاوتاً حاداً وضغطاً هائلاً على بنى تحتية هي أصلاً متهالكة.

الخلاصة: إلى أين نحن ذاهبون؟
إن استمر النزيف بهذا الشكل حتى 2026، فنحن ذاهبون حتماً نحو مجتمع “الربع الخالي”: لا قوة منتجة، وأغلبية من كبار السن تحتاج رعاية. إنقاذ الديموغرافيا اللبنانية يتطلب معجزة تتجاوز الاقتصاد؛ نحتاج لاستعادة “الثقة”. فبدون ثقة، سيتحول لبنان نهائياً من وطن للحياة، إلى مجرد صالة انتظار كبيرة للمغادرين.




